محمد بن جرير الطبري

162

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المحصنين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا ، وقد اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلما ، وأعطياه عهدا أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به . وكان أحدهما ربيا ، والآخر حبرا ، وإنما اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمان منه . فدعاهما فسألهما ، فأخبراه الأمر كيف كان حين زنى الشريف وزنى المسكين ، وكيف غيروه . فأنزل الله : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا يعني : النبي صلى الله عليه وسلم ؛ والربانيون والأحبار : هما ابنا صوريا . لِلَّذِينَ هادُوا ثم ذكر ابني صوريا ، فقال : وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ والصواب من القول في ذلك عندي ، أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أن التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء لليهود والربانيون من خلقه والأحبار . وقد يجوز أن يكون عني بذلك ابنا صوريا وغيرهما ، غير أنه قد دخل في ظاهر التنزيل مسلمو الأنبياء وكل رباني وحبر ، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه معنى به خاص من الربانيين والأحبار ، ولا قامت بذلك حجة يجب التسليم لها ، فكل رباني وحبر داخل في الآية بظاهر التنزيل . وبمثل الذي قلنا في تأويل الأحبار قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سلمة ، عن الضحاك : الربانيون والأحبار : قراؤهم وفقهاؤهم حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص ، عن أشعث ، عن الحسن : الربانيون والأحبار : الفقهاء والعلماء حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الربانيون العلماء الفقهاء ، وهم فوق الأحبار حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : الربانيون : فقهاء اليهود ، والأحبار : علماؤهم حدثنا القاسم ، قال : ثنا سنيد بن داود ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ كلهم يحكم بما فيها من الحق حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : الربانيون : الولاة ، والأحبار : العلماء وأما قوله : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ فإن معناه : يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة ، والربانيون والأحبار يعني العلماء بما استودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة . والباء في قوله : بِمَا اسْتُحْفِظُوا من صلة الأحبار . وأما قوله : وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فإنه يعني أن الربانيين والأحبار بما استودعوا من كتاب الله يحكمون بالتوراة مع النبيين الذين اسلموا للذين هادوا ، وكانوا على حكم النبيين الذين أسلموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله الذي أنزله على نبيه موسى وقضائه عليهم . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ يعني الربانيين والأحبار هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال أنه حق جاء من عند الله ، فهو نبي الله محمد ، أتته اليهود فقضى بينهم بالحق القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ يقول تعالى ذكره لعلماء اليهود وأحبارهم : لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي وإمضائه عليهم على ما أمرت ، فإنهم لا يقدرون لكم على ضر ولا نفع إلا باذني ، ولا تكتموا الرجم الذي جعلته حكما في التوراة على الزانيين المحصنين ، ولكن اخشوني دون كل أحد من خلقي ، فإن النفع والضر بيدي ، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استحفظتم من كتابي . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ يقول : لا تخشوا الناس فتكتموا ما أنزلت . وأما قوله : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا يقول : ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى أيها الأحبار عوضا خسيسا ، وذلك هو الثمن القليل . وإنما أراد